ست العجم بنت النفيس البغدادية
406
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
إذ صفات الجلال لا تحصى ، ولعلك تقول : أستشعر من هذا القول الذي ذكرته مناقضة الإمام أبي حامد حيث قال : وليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، نعم يشعر ذلك عند من يقصر إدراكه عن الاطلاع إلى هذه العلوم السماوية ، وأما عند من فحص عن كلامنا وبحث عن حقيقة ما أشرنا إليه يرى : لا مناقضة بينهما ، وقد أشبعنا القول بالأدلة الواضحة في شرح كلام الإمام أبي حامد رضي اللّه عنه وليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، في كتاب الجمع والتفصيل في معاني التنزيل لمّا تكلمنا على قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، ثم نقول : وقد جعل اللّه في مقابلة كل وجه من وجوه القلب حضرة من أمهات الحضرات الإلهية تقابله ، فمتى جلي وجه من هذه الوجوه تجلّت تلك الحضرة فيه ، فإذا أراد اللّه سبحانه أن يمنح عبده من هذه العلوم شيئا تولى سبحانه بتوفيقه مرآة قلبه ، فيظهرها بعين اللطف والتوفيق ، وأمدها ببحر التأييد ، فاهتدى ذلك الموفق للرياضات والمجاهدات ، ووجد الإرادة والمحبة من قلبه ، فبادرت الجوارح بالطاعة للقلب ، إذ هو مالكها وسيدها ، فاستعمل الأذكار ، وعلق الهمة ، وتخلق بأخلاق اللّه تعالى ، وغسل قلبه بماء المراقبة حتى ينجلي عن القلب صدأ الأغيار ، وتتجلى فيه حضائر الأسرار ، فالوجه الأول ينظر إلى حضرة الأحكام ، وصقالة ذلك الوجه بالمجاهدات ، والوجه الثاني ينظر إلى حضرة الاختيار والتدبير وصقالة ذلك الوجه بالتسليم والتفويض والوجه الثالث ينظر إلى حضرة الإبداع وصقالة ذلك الوجه بالفكر والاعتبار ، والوجه الرابع ينظر إلى حضرة الخطاب وصقالته بخلع الأكوان ، والوجه الخامس ينظر إلى حضرة الحياة وصقالتها بالتبري والفناء والوجه السادس وهو الثامن عند من أثبتها ثمانية ينظر إلى حضرة ما لا يقال ، وصقالته بياء أهل يثرب لا مقام لكم . وأما الوجهان اللذان هما محل الخلاف فأهل السنة صرفوهما إلى حضرة الأحكام وغيرهم قال : إن أحدهما ينظر إلى حضرة المشاهدة ، وصقالته ببيع النفس والآخر ينظر إلى حضرة السماع ، وصقالته بالصمت والأدب ، وليس ثمّ وجه تاسع ، ولا كشف لها سبحانه حضرة زائدة على هذه الثمانية ، فكانت تجهلها إذ ليس لها وجه تتجلى فيه للحكمة الإلهية التي سبقت بالإرادة القديمة ، وهنا موضع نزاع بين الأشعرية والصوفية دقيق لا يتفطن له إلا صاحب ذوق ، ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أبوابا في مقابلة ما على وجه المرآة من الصدأ تسمى أبواب المشيئة ، فعلى قدر ما تكون الصقالة يكون التجلي ، وعلى قدر ما يفتح من الأبواب يكون الكشف ، فليس كل مرآه مجلوة يكشف لها ، لكنها